مقبرة الشيطان
كانت منى تتفادى نظرات الحارث والحديث معه ولكن الصدفة كانت تضعها بمواقف محرجة معه. كان يبتسم لها كلما التقت اعينهما بينما كانت هي تتجاهل حركاته. اخيرا انهت فطورها الذي كانت تتناوله مع الجدة والحارث ثم همت بالمغادرة فطلبت منها الجدة ان تنتظرها في غرفة الجلوس. غادرت منى بعد ان وافقت على طلب الجدة وهي تقريبا علمت ما تريد الجدة الحديث معها بشانه.
كانت الجدة وهي امراءة طاعنة بالسن قد تجاوزت السبعين امراة قوية كلمتها لا تقل اهمية عن كلمة الحارث. اسست لنفسها هيبة وخوف في نفوس الجميع حتى الحارث كان لا يعارضها في اكثر المرات بل كان يصمت عندما تتخذ قرارا. عينيها السوداوين اللتان ضيقهما الزمن تدل على فطنة وحنكة لا يغلبها اي شي وشعرها الشديد البياض كان دليل على ان سنوات عمرها التي عاشتها مليئة بالحكمة والقسوة. في الواقع لم تكن العائلة تحبها بقدر ما كانت تخشاها وان لم يقل احد ذلك بلسانه. كان اهل القرية يتناقل الاخبار عن جبروتها وقوتها وقدرتها على عمل اي شي في سبيل الحصول على ماتريد. حتى ان الناس لم يصدقوا عندما قررت اختيار الحارث ليتولى منصب القيادة بدلا عنها ولم يعلم احد سبب ذلك ولكن البعض عزاه الى التقدم في السن والحاجة الى ان تحكم عن طريق حفيدها.
التقت الجدة بمنى في غرفة الجلوس حيث كانت منى تنتظر بتوتر قدوم جدتها. جلست الجدة بجانب حفيدتها ثم سالتها بدون مقدمات "هل تكلم سليم معك؟" اومأت منى بالايجاب لانها لم ترد ان تخبر جدتها ان من تكلم معها في الواقع رامي ثم قالت "انا لن اتزوج الحارث يا جدتي وانت تعلمين ذلك فلماذا تصرين, ارجوك لا تجبريني على فعل شئ لا اريده" اجابت الجدة بثبات "انا ليس لي دخل بهذا بل ان الحارث اختارك وانا لا اعترض بل ادعم اختياره, يجب ان نتلاحم ونزيد من ترابط العائلة كي نصبح اقوياء كفى انانية يا منى وفكري باهلك, لا تكوني كسليم ضعيفة فهذا سيؤثر على كل افراد هذه العائلة" ثم ابتلعت ريقها واكملت "اذا فعلتي اي شئ سئ انت تعلمين اين سيكون مصيرك يا طفلتي, مقابر الشيطان".
فزعت منى من كلام جدتها الذي جاء لتخويفها ولم تقو على ان تتابع الحديث بل اكتفت بالنظر الى العجوز التي قالت "هل زواجك من الحارث اسوء من مقابر الشيطان؟ لا اعتقد ذلك فمع حارث ستبقين على الاقل فوق الارض. الزفاف سيكون الاسبوع المقبل ولا اريد ان اسمع سوى تحضيراتك للزفاف". كانت هذه اخر كلمات قالتها الجدة قبل ان تترك منى تفكر برعب بكلمات جدتها.
التقت الجدة بحفيدتها الثانية هدى فتبادلتا الانظار بدون ان تنبس احداهما ببنت شفة ثم دخلت هدى غرفة الجلوس لتلتقي بمنى.
"ارى ان العروس الصغيرة وحيدة, لماذا ياترى؟" ثم بمكر بالغ سالتها "هل تفكرين بالحب ام باخي؟ او لا تجيبي فهما واحد اليس كذلك؟". نظرت منى الى هدى بعصبية ثم همت بالخروج فاستوقفتها هدى "انا لست عدوتك يا منى كما انني لست عدوة رجاء, لماذا لا نتعاون كي نتخلص من همنا المشترك؟" اجابتها منى "الحارث؟ ساعطيك كل ما املك ان خلصتيني من هذه المصيبة" ابتسمت هدى وقالت "هذه المصيبة يا عزيزتي تحتاج الى اكثر من شخص للتخلص منها, لو كنت مكانك لهربت مع الرجل الذي اخترته ولما كلفت نفسي عناء النظر الى الوراء, او هل رفض رجلك ان ينقذك من ورطتك؟" اطلقت هدى اه ساخنة ثم تابعت "هو لا يريد ان يحجز مكانا له ولاخته بمقابر الشيطان اليس كذلك؟ لذا تخلى عنك" نظرت منى لها بحقد ثم غادرت الغرفة بينما ابتسمت هدى بمكر لنفسها.
اتجهت منى الى سائق العربة وطلبت منه ان يحضر العربة لينقلها الى منزل سليم ثم ذهبت لتخبر جدتها انها تريد ان تذهب لاختيار بعض الملابس للزواج.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق