مقبرة الشيطان
كانت كوثر تتناول الفطور في المنزل الكبير بعد ان قضت الليلة فيه على غير العادة حيث انها لا تسكن في القصر الكبير. بعد وفاة زوجها قرر الحارث انها غير مرحب بها لسببين اولهما هو لانها دخيلة وثانيا لانها زوجة والده وهو يكرهها كما هي تكرهه. تزوجت كوثر من والد الحارث بعد ان التقاها في احد المدن اثناء زيارته لتلك المدينة وسار كل شي بسرعة حتى ان الجميع تفاجأوا عندما احضرها معه الى المدينة. في ذلك الوقت كانت والدة الحارث قد ماتت منذ سنين طويلة وهي تلد حيث ماتت مع جنينها في ولادة متعسرة. وكوثر امرأة جميلة جدا ذات بشرة بيضاء وعيون زرقاء تبدوا بالتاكيد اصغر من سنها. شيئان مررتهما الى ابنتها هدى من صفاتها اولهما الجمال الاخاذ وثانيهما كره الحارث. لذا كانت السيدتان تشاركان موضوعا واحدا كلما جلستا وهو الحارث.
بعد الافطار بدأت كوثر تستعد للمغادرة الى منزلها الواقع على اطراف المدينة حيث لديها كل ما تحتاج من وسائل الراحة بفضل ما وفره لها الحارث بعد ان طردها من المنزل الكبير واهانها امام الجميع على كبر. لطالما سالتها هدى عن سبب بقائها في هذه المدينة ولطالما كان جوابها هو نفسه كل مرة "المال" فبرغم انها كانت منبوذة في المجتمع ولكنها كانت تعيش عيشة مرفهة بدون الحاجة الى ان تعمل او تكد حيث ان الحارث لم يرغب بان يقول احد عنه انه اهان زوجة ابيه بعد وفاة ابيه وايضا لان والده اوصاه بها خيرا.
التقت بها هدى وهي تهم بركوب العربة فقالت لها "ستغادرين؟ كم اتمنى بقاؤك هنا يا امي لان وجودك معي يزيدني قوة" اجابتها كوثر بصوتها المبحوح "وكم اتمنى ان ابقى هنا ولكنك تعلمين ان الحارث لن يسمح لي بالبقاء لليلة اخرى", ثم تمعنت النظر بالمنزل الكبير واسترسلت قائلة "لو مات الحارث قبل زواجه سترثين كل شي وسيكون باماكني المجئ للعيش هنا من جديد ولكن هذه فقط احلام وقد علمت انه سيخطب منى قريبا" اجابتها هدى بخيبة امل "نعم كم اتمنى ان يختفي من حياتنا الى الابد, انا اكره هذه المدينة وهذه العائلة".
بعد هذه الكلمات ركبت الام العربة مودعة ابنتها ثم سارت العربة حتى غادرت المنزل الكبير تاركة هدى وحيدة. عادت هدى الى داخل المنزل حيث كان الحارث يتناول طعام الافطار مع الجدة. انضمت اليهما ووجهها يفضح ما كانت تشعر به من ضيق فسالها الحارث "هل غادرت والدتك؟" اجابته "نعم غادرت ولكم كنت اتمنى ان تبقى لمدة اطول" قال لها بصوت يدل على انه يعني كل كلمة "بامكاني ان امر العربة لتاخذك الى منزلها فتبقين المدة التي تشائين ثم تعيدك العربة الى هنا وستبقى العربة تحت تصرفك. بالاضافة الى اني ساوفر لكم مالا لشراء الطعام والحاجيات" اجابته وهي تمضغ لقمتها "شكرا لك يا حارث ولكني كنت اتمنى ان تاتي لتعيش معي هنا كما في السابق قبل وفاة والدنا" هز الحارث راسه وقال "هذا امر قد انتهينا منه يا هدى هي لن تسكن هنا, اما انت فبامكانك الذهاب متى تشائين وساوفر لكي اي شي تحتاجين". ثم غير الموضوع ليتكلم مع جدته "جدتي هل رايتي منى اليوم؟" اجابته الجدة وهي ترتشف كوب العصير البارد "يبدوا انها مرهقة من ليلة البارحة " ثم نظرت اليه بمكر وقالت "هل اشتقت اليها؟" اجابها وهو ينظر الى هدى "ليس الان يا جدة, سنتكلم بالموضوع بعد ان اعود من العمل, فاليوم لدينا قضية خطيرة للبت بها" سالته الجدة وقد بانت اثار الفضول عليها "هل لي ان اسال ما هي؟" اجاب "انها قضية رجل ممسوس, مسه الشيطان فبدأ يتصرف بشكل غريب ويتكلم بشكل غريب خارج عن المألوف. رجل مسكين سنحاول ان ننظف روحه المسكينة اليوم في مقبرة الشيطان". فزعت هدى مما قاله اخوها وصرخت "هل ستدفنون الرجل حيا, يال القسوة, كيف بامكانك ان توافق على هكذا اعمال؟ " اجابها الحارث على الفور"انا لم اسن هذه القوانين يا اختي العزيزة بل هي موجودة منذ ان تأسست مدينتنا وقد ساعدت في الحفاظ على مجتمعنا سليما قويا مترابطا" قاطعته هدى باشمئزاز"مترابطا؟ هل نفي امي الى اطراف المدينة دليل على ترابط الاسرة في هذه المدينة؟" ثم نهضت بسرعة تاركة الطاولة وسط موجة من الغضب والاشمئزاز. دخلت منى الى الغرفة في نفس الوقت الذي خرجت منه هدى لتلتقي عينها بعين الحارث.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق