الأربعاء، 12 نوفمبر 2014

مقبرة الشيطان 15






مقبرة الشيطان


ركب الحارث العربة فاختفت الابتسامة ثم سرح بفكره. لقد واجهه هذا اليوم مواقف كثيرة تصرف فيها بحسب ما يتوقعه الجميع منه. اولا زيارته لمنى التي صدمها برامي وهي على فراش المرض وهذا شي لم يكن يريد فعله ولم يخطط له ولكنه فعله نكاية برامي و محاولة منه كي يقضي على الامل الذي كانت تتمسك به منى ناحية رامي. هو حتى لم يخبرها الحقيقة حول هذا الموضوع بل تركها تخمن وبالتاكيد هي تخيلت الاسوء منه. ثم مقابلته مع سليم التي اكد فيها السبب وراء ترحيل رامي رغم ان الحقيقة غير ذلك. كلامه مع سليم كان جافا قاسيا رغم انه لم يكن يريد فعل ذلك ولكن هذا هو الذي يتوقعه منه الجميع وهو الذي يجب ان يفعله باعتباره الكبير. كي يحسب له الجميع الف حساب عليه ان يفعل ما يتوقعونه منه وان يكون قاسيا ولا يغير رايه او يتراجع عن فعله. كانت مواجهته مع رجاء ايضا غير مرضيه حيث انه تعمد الاصطدام بها والحديث معها بلغة شامتة. فتح عينه ونظر من خلال الستائر المسدولة للعربة. كانت المدينة تبدوا باحسن احوالها فالجميع يبتسم وكل يساعد الاخر ثم كان هناك رجل. رجل يصرخ باعلى صوته منددا بقوانين المدينة التعسفية. طلب الحارث من السائق ان يتوقف بعد ان شاهد الرجل يرفع صورة لرامي تم رسمها بدقة شديدة وبدأ يتحدث عن الظلم الذي وقع عليه لانه قال رايه بصراحة بقوانين المدينة وبالذات قانون مقبرة الشيطان. القانون الذي يطبق على جميع الجرائم التي تحدث وايضا يطبق على جميع الاشخاص الذين يعانون خللا نفسيا. المجرمون يعتبرون جنود الشيطان الذي جندهم كي يضعف المدينة ويقضي على تناغمها. والمرضى النفسيين يعتبرون متلبسين من قبل الشيطان حيث انهم اخطر ويجب ان يتطهروا.
رشق رجل من الشارع بعض الحجارة على الرجل الذي كان يتحدث فاصابه براسه ثم طلب منه ان يصمت حيث ان المدينة لا تريد اناسا يزعزعون امنها ووافقه على ذلك جميع الواقفين في السوق. لم يجد الرجل بدا من النزول بعد ان نزل الدم على عينه.
عاد الحارث مرة اخرى الى موعده. لقد قال انه يوم كبير ولكنه فعلا يشعر انه يشارك بجريمة قتل كلما اضطر ان يوقع على وثيقة التطهير هذه انه شعور لطالما احتفظ به لنفسه ولم يشاركه مع احد خوفا من ان تقل هيبته في المدينة. ولكن لماذا لا يمكن ان تتغير هذه العادات القديمة فقد اضحت بالة قديمة كما ان الزمن تغير والامور تغيرت فلما لا تواكب هذه المدينة التغيير الذي يحصل بالمدن الاخرى مع الحفاظ على صورتها الجميلة؟
لم يسعف الحارث الوقت ليجد جوابا حيث اعلن السائق وصولهم الى مقابر الشيطان. احس الحارث بقشعريرة سرت في انحاء جسده. الرائحة التي يتميز بها المكان مقرفة ومخيفة في نفس الوقت. رائحة الموت, الالم, والخوف الذي يراه في اعين الاشخاص الذين يتم دفنهم هنا, احياءا. شعر بحاجة للتقئ من شدة الرفض لهذه المراسيم ولكنه لم يكن يستطيع فعل اي شي سوى التظاهر بان كل شي على مايرام ثم تابع طريقة ليقف بين الرجلين (القاضي والمنظف).
كانت تلك اللحظة التي يكرهها بشدة عندما يبرد الجو وتهب ريحا خفيفة تحمل معها اوراق الاشجار اليابسة التي سقطت على الارض. هذا البرد يشعره باقتراب الموت البطئ عندما يوضع الشخص في الحفرة موثوق اليدين والقدمين والعينين ثم يبدأ المنظف بقراءة بعض الكلمات بلغة غريبة وعمل بعض الحركات والاصوات ثم يامر برمي التراب على الشخص الذي قد وضع في الحفرة. ببطئ تمتلء الحفرة بالتراب بينما يبدا الشخص بفقدان اتصاله بالهواء فيتحرك حركات لا رادية طلبا للهواء الذي ينقطع بعد ثواني حابسا الشخص في ظلام بين الموت والحياة للحظات مؤلمة قاسية مخيفة. كل ما يستطيع فعله هو الاستسلام للموت فوقت الصراخ انتهى وقد امتلأ فمه وانفه بالتراب. يتوقف الرفس والانين بعد ثواني معلنا موت هذا الشخص ونجاح المراسيم.
برغم ان هذه المراسيم لا تقام الا نادرا حيث ان المدينة تعتبر امنة فلا سرقات او افعال اجرامية, ولكن وقع هذه المراسيم على الانسان لا يمكن ان تختفي بل تبقى محفورة بالذاكرة الى الابد مع كل ما يواكبها من مشاعر.
انتهت المراسيم وتنفس الحارث الصعداء ثم توجه الى عربته مباشرة ليرحل باسرع وقت ممكن من هذا المكان الملئ بالغربان السوداء و برائحة الموت.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مدونة فهيم™ 2015

Powered By www.download-apk.com