مقبرة الشيطان
كانت صدمة للجميع. لقد كان الحارث ميتا في غابة الشيطان. كان منظره الجامد الابيض يثير حزنا والما في النفس. سليم كان ينظر الى جثته التي لا زالت ممددة امام احد الاشجار الكبيرة الخالية من الاوراق بعد ان رفضت الجدة من ان يلمسها اي احد بل وطلبت من سليم ان يحرسها جيدا. قامت الجدة باستدعاء رجل شرطة تعرفه منذ زمن بعيد. متقاعد منذ سنين كي يساعد في معرفة ما حدث للحارث لانها قالت للجميع وبكل صراحة "كلكم في نظري مشتبه بهم لذا ساستدعي رجل البوليس فريد كي يكتشف من منكم فعلها " وهذا كان الشي الوحيد الذي تفوهت به بعد ان استفاقت من اغمائتها.
منى كانت لا تزال مصدومة من الخبر. اغرقت فستانها الابيض بالدموع وهي تصرخ بشكل هستيري "انا السبب, انا السبب". حاولت رجاء تهدئتها ولكن لا فائدة فقد كانت مصابة بنوبة هستيريا. لم تخلع فستانها حتى بعد ان علمت ان لا زفاف سيقام وان العريس قد مات. كان بكائها نابع من الاحساس بذنب قاتل وندم على ما بدر منها تجاهه.
لم يصدر من رجاء اي ردة فعل سوى شعورها بالضيق من كل ما حصل ورغبتها بالخروج من القصر والعودة الى بيتها. كانت ايضا تفكر برامي وبامكانية وجوده في المدينة في ظل كل هذه احداث.
هى كانت ايضا حزينة وكان واضحا عليها الشعور بالذنب وقد يكون ذلك لانها تمنت موته مرارا وتكرارا ولكنها الان غير واثقة ان كان موته سيجعلها سعيدة. امها كانت على طبيعتها فلم يبدوا عليها اي حزن او ضيق على الاطلاق بل هي لم تفكر حتى بمجاملة العائلة والتظاهر بالحزن بل كانت تعابير وجهها شامتة منتصرة.
الجميع كان حزين حتى القاضي والمنظف كانت ملامح الحزن واضحة على وجهيهما عندما جاءا لمواساة العائلة بموته. قد لا يكون حزنا حقيقيا بل تمثيل ولكنه كان على الاقل احتراما لمشاعر العائلة التي ساهمت ببناء المدينة لسنوات طويلة.
لم يتاخر رجل الشرطة المتقاعد فريد عن القدوم حيث جاء الى المدينة باسرع ما يمكن فور استلامه الخطاب الذي كتبته الجدة له. استقبلته الجدة بعيون دامعة فور وصوله ثم اخذته الى غرفة المكتب تاركة الجميع في حالة دهشة وتسائل عمن يكون هذا الرجل الذي استقبلته الجدة بكل هذه الحفاوة وهي تعتبر كل من لا ينتمي الى هذه المدينة دخيل عليها ولا يستحق سوى ان ينفى او يبقى وحيدا.
كان فريد رجل طاعن في السن بعمر الجدة او اكبر قليلا. خطوط الزمن واضحة تماما على وجهه وشعره الابيض يؤكد انه قد عاش سنوات طويلة من حياته. نظراته الثاقبة كانت تفضح خبرته وبداهته ونظرته المتفحصة اكدت انه ليس بالرجل السهل بل انه خبير وان الجدة متاكدة انه سيجد الشخص الذي قتل الحارث كما تعتقد. "هل ستكون مهمة سهلة, هل ستجد من حرمني من حفيدي الغالي؟" سالت الجدة بصوت باكي منتظرة جوابا واحدا من فريد. لم يخيب فريد ظنها بل اجاب الجواب الذي كانت تنتظره "ساجده,لا تخافي سينال الحارث العدالة وقاتله لن يجد مكانا للاختباء مني. انت تعلمين هذا". اعلنت الجدة وبدون اي تردد "انا اعلم انك لن تخذله كما خذله الجميع". طلب المحقق رؤية الجثة كي يتبين اسباب الموت وطريقة القتل فنادت الجدة على احد الرجال الذين يعملون في القصر وامرته "خذ المحقق فريد الى مكان الحادث" ثم استرسلت بعد ان اخرجت ورقة من احد الاجرار "اعطي هذه الورقة لسليم فور وصولك. لا اريد ان يتدخل اي رجل بعمل المحقق فريد" ثم استدارت لفريد وودعته. فريد خرج مع الرجل بينما كانت النساء ترمقه بنظره حيرة وتساؤل عمن قد يكون. توقف عندما مر بقربهن ثم قال "مرحبا سيداتي انا فريد رجل شرطة سابق وساتولى التحقيق بمقتل الحارث لترقد روحه بسلام. هل لي بالتعرف عليكن؟" اجابت كوثر "لماذا؟" اجاب بكل ثقة "يجب ان اعرف اسماء جميع المشتبه بهم في القضايا التي اعمل عليها كي استطيع تمييز المذنب" اجابت كوثر "مشتبه بهم؟ ارجوك يا سيدي انا لا تعني ان احدانا لها القدرة على قتل رجل كالحارث؟" اجاب فريد " من يدري ما مقدار القوة التي يظهرها الفرد في لحظة غضب؟ والان هل لي بالبدء معك؟" اجابت كوثر "انا كوثر" وبدأت النساء بالتوالي ذكر اسمائهن "منى" "رجاء" "هدى". شكر المحقق النساء ثم غادر الى مكان الجثة وهو متاكد بان كل امراة من النساء الاربع لديها ما تخفيه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق