توقف الباص ونهض السائق حيث كان راكب واحد لم يترجل من السيارة بعد. وضع السائق يده على كتفه وهزه بهدوء ثم قال:
- "سليم بني لقد وصلنا الى نهاية الطريق".
فتح سليم عينيه بصعوبة بالغة حيث كان التعب والنعاس لايزالان يغلبانه ثم تمتم:
- "شكرا لك يا عم".
ثم نهض يترنح وامسك بحقيبته السوداء المتسخة من الاسفل بسبب
الاستعمال المتكرر لها ثم ترجل من الباص وشاهده يغادر حتى غاص في الظلام.
نظر سليم الى الطريق التي امامه ثم تأفأف وتمتم مع نفسه:
- "تبا هل علي ان اسير باقي الاميال المتبقية كل مرة اعود فيها هنا, كم اكره هذا الطريق المظلم".
ثم بدأ يسير بخطوات عسكرية منتظمة يشوبها التعب وقد ساعده ضوء
القمر القليل على تلمس طريقه وسط التراب والرمل . كان الطريق الذي يسير فيه
سليم ترابي لم يصله التبليط بسبب رفض سكان المدينة ذلك. الطريق المؤدي الى
المدينة طريق غير مؤهول لا يوجد سيارات تسير عبره فقط بعض العربات التي
تجرها الحيوانات والتي تعود لاهل المدينة. لا احد يدخل الى المدينة من
الغرباء الا اذا استطاع ان يحصل على تصريح ولا باصات يسمح لها بان تتجاوز
حدود المدينة التي تبدأ ببداية الطريق الترابي. كان الطريق الترابي الذي
يقود الى المدينة محاطا بشبه غابة فيها بعض النباتات والاشجار التي زرعها
اهل المدينة منذ ان انعزلت المدينة عن باقي المدن واصبح حكمها مفصولا نوعا
ما ولا يزالون يداومون على العناية بها. تعتبر هذه الاشجار بمثابة غطاء
وحدود للمدينة لتفصلها عن باقي الاماكن ولتعطيها منظرا جميلا اضافة الى ان
القائمون على المدينة يريدون تنظيف جو المدينة من التلوث الذي عاث في
الكوكب فسادا.
كان
سليم قد قطع مسافة طويلة بخطواته الواسعة ومشيته المنتظمة العسكرية التي
جبل عليها منذ سنوات بعد ان التحق بالخدمة العسكرية ليتدرب مع مجموعة كبيرة
من شباب المدينة الذين تم اختيارهم بعناية فائقة ليكونوا جيشا صغيرا مدربا
ليدافع عن المدينة اذا ما واجهت تهديدا. التدريب يحصل في مدينة اخرى
ملائمة لهذا النوع من الفعاليات. وكباقي الجنود فسليم يتمتع بقوة بدنية
كبيرة وجسم رياضي رشيق بامكانه حمل شخصين بنفس حجمه لذا فان طريق كهذا لن
يتعبه كباقي الناس بل هو قادر على ان يقطعة بوقت قليل. عينه العسلية كانت
كعين الصقر يخترق اسبار الطريق المظلم الذي كان طويلا ويقود مباشرة الى
ابواب المدينة الكبيرة. يده القوية كانت تحمل الحقيبة بسهولة ولكن بملل
لانه كان يفضل ان يكون نائما في فراشه بدل ان يسير في هذا الطريق الطويل
وقد كان بامكانه الانتظار حتى الصباح ولكنه اثر ان يفاجأ زوجته رجاء بعودته
غير المتوقعة .
بعد
حوالي نصف ساعة وصل سليم الى المدينة التي كانت مسورة بسور من الاسلاك
الشائكة الذي منع مجموعة من اشجار الفاكهة من الخروج عن حدود البستان الذي
يقع خلفها. ابتسم ثم نظر حوله الى الهدوء الشديد والسكون الجميل الذي لا
يعكره سوى صوت الضفادع والصراصير التي تقفز هنا وهناك بين الانهر العذبه.
تمتم مع نفسه:
- " لا يوجد احلى من العودة الى المنزل فالمنزل هو المنزل بكل سلبياته وايجابياته".
تابع
سليم طريقه الى منزله الذي يقع خلف الجسر الخشبي الذي يربط طرفي المدينة
ثم عند اقترابه من منزله لمح ضوء الشموع يتراقص من نوافذ البيت وخيال
لزوجته يتنقل في ارجاء المنزل. تمتم:
- "رجاء.. حبيبتي"
ثم
تابع طريقه وقبل اقترابه من المنزل لمح خيالا اخر قد مر من امام النافذة
المغطاة بالستائر البيضاء. خيال طويل رشيق كثيف الشعر لرجل كان من الواضح
انه يخوض جدالا مع رجاء. فتوقف سليم وعقف حاجبيه بينما ركز ناظريه على
الشباك وزوجته وتمتم:
- "تبا ما هذا؟"
تحتفظ الكاتبة رؤى صباح مهدي بكامل حقوق النشر وقد تم نقل الرواية بموافقة الكاتبة شخصياً

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق